محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )
46
الإنجاد في أبواب الجهاد
الله - صلى الله عليه وسلم - : « المؤمنون تتكافأ دماؤهم ، يسعى بذمتهم أدناهم ، ويُجير عليهم أقصاهم ، وهم يدٌ على من سواهم » . وذلك مما لا يُعرف فيه خلاف ( 1 ) .
--> ( 1 ) هذا النوع يسمى عند غير واحد من الفقهاء ( جهاد الدّفع ) . وهو : « أصعب من جهاد الطلب ، فإن جهاد الدفع يشبه باب دفع الصائل ، ولهذا أبيح للمظلوم أن يدفع عن نفسه ، كما قال الله - تعالى - : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ } [ الحج : 39 ] » قاله ابن القيم في « الفروسية » ( ص 187 - بتحقيقي ) ، وزاد : « فقتال الدفع أوسع من قتال الطلب وأعمّ وجوباً ، ولهذا يتعيّن على كل أحد يقم ، ويجاهد فيه العبد بإذن سيده وبدون إذنه ، والولد بدون إذن أبويه ، والغريم بغير إذن غريمه ، وهذا كجهاد المسلمين يوم أحد والخندق . ولا يُشترط في هذا النوع من الجهاد أن يكون العدو ضِعْفَي المسلمين فما دون ؛ فإنهم كانوا يوم أحد والخندق أضعاف المسلمين ، فكان الجهاد واجباً عليهم ؛ لأنه حينئذٍ جهاد ضرورة ودفع ، لا جهاد اختيار ، ولهذا تباح فيه صلاة الخوف بحسب الحال في هذا النوع ، وهل تُباح في جهاد الطلب إذا خاف فوت العدو ولم يخف كرّته ؟ فيه قولان للعلماء ، هما روايتان عن الإمام أحمد . ومعلوم أن الجهاد الذي يكون فيه الإنسان طالباً مطلوباً أوجب من هذا الجهاد الذي هو فيه طالب لا مطلوب ، والنفوس فيه أرغب من الوجهين . وأما جهاد الطلب الخالص ؛ فلا يرغب فيه إلا أحد رجلين : إمّا عظيم الإيمان يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، ويكون الدين كلّه لله ، وإما راغب في المغنم والسَّبي . فجهاد الدفع يقصده كل أحد ، ولا يرغب عنه إلا الجبان المذموم شرعاً وعقلاً ، وجهاد الطلب الخالص لله يقصده سادات المؤمنين ، وأما الجهاد الذي يكون فيه طالبا مطلوباً ؛ فهذا يقصده خيار الناس ؛ لإعلاء كلمة الله ودينه ، ويقصده أوساطهم للدفع ولمحبة الظّفر » . ونفي الخلاف في هذا الوجوب العيني في هذا النوع مسبوق به المصنف ، وهو مشهور في كتب العلماء ، قال الجصاص في « أحكام القرآن » ( 4 / 312 ) : « ومعلوم في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خاف أهل الثغور من العدو ، ولم تكن فيهم مقاومة لهم ، فخافوا على بلادهم وأنفسهم وذراريهم أن الفرض على كافة الأمة : أن ينفر إليهم من يكف عاديتهم عن المسلمين ، وهذا لا خلاف فيه بين الأمة ، إذ ليس من قول أحدٍ من المسلمين إباحة القعود عنهم حتى يستبيحوا دماء المسلمين وسَبْيَ ذراريهم » . وقال القرطبي في « تفسيره » ( 8 / 51 ) : « إذا تعيّن الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار . . . وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ، ويخرجوا إليه خفافاً وثقالاً ، شباباً وشيوخاً . كلٌّ على قدر طاقته . . . ، فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا ، =